الأيام

من ذاكرة المكان إلى أثر الإنسان

صحيفة الايام

@Alayam
العدد 13662 الخميس 3 سبتمبر 2026 الموافق 21 ربيع الأول 1448

في قلب المنامة، لا يحتاج التعايش إلى لافتة تشرحه. يكفي أن يرتفع الأذان، وتُقرع أجراس الكنائس، ويفتح المعبد أبوابه، ويظل الكنيس حاضرًا في ذاكرة المدينة، لندرك أن البحرين لم تتعلم التعايش من كتب العصر، بل عاشته قبل أن يصبح مصطلحًا تتداوله المؤتمرات والمواثيق الدولية.


هنا، لم تتجاور دور العبادة وحدها، بل تجاور الناس أيضًا. تقاسموا الأسواق والأحياء والعمل والذاكرة، واختلفت طرقهم إلى الله، لكنهم التقوا على أرض واحدة، وفي وطن واحد، وتحت مظلة واحدة من الأمن والكرامة والانتماء.


وفي هذه الذاكرة شواهد لا تزال قائمة، معبد هندوسي ظل في قلب المنامة لأكثر من قرنين، وكنيسة إنجيلية وطنية تستقبل المصلين منذ عام 1906، وكنيس يهودي شُيّد عام 1930 وبقي جزءًا من نسيج المدينة. وفي سماهيج بالمحرّق، كشفت الأرض عن مبنى مسيحي يعود إلى القرن الرابع الميلادي، كأنها كانت تستعيد صفحة قديمة لتقول إن التنوع لم يكن يومًا عابرًا في تاريخ البحرين.


لكن ما يميز هذه التجربة ليس تعدد دور العبادة وحده، فالمباني، مهما امتد بها الزمن، لا تصنع التعايش من تلقاء نفسها. الذي يصنعه هو الإنسان حين يأمن على إيمانه، ويحترم إيمان غيره، ويرى في اختلاف جاره سببًا للتعارف لا للريبة. ولذلك، فإن تسجيل مملكة البحرين في المرتبة الأولى عالميًا من حيث كثافة دور العبادة لمختلف الأديان قياسًا إلى المساحة لم يكن مجرد إنجاز رقمي في موسوعة غينيس للأرقام القياسية، بل شهادة على ثقافة وطنية راسخة.


وقد وجدت هذه الثقافة أفقها الأوسع في الرؤية الحكيمة لسيدي حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه. ففي عهد جلالته، انتقل التعايش من تجربة يعيشها المجتمع البحريني إلى رسالة تحملها المملكة إلى العالم، وأصبح احترام الاختلاف نهجًا تصونه الدولة، وتعبر عنه مؤسساتها ومبادراتها.


وجاء «إعلان مملكة البحرين» ليقدم هذه الرسالة بلغة إنسانية واضحة، تؤكد حرية الدين والمعتقد وترفض التعصب والكراهية. كما وجد هذا النهج امتداده العملي في توجيهات صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، الذي رسّخ التعايش بوصفه ركيزةً لاستقرار المجتمع ومسيرة التنمية، فالإنسان الذي يشعر بالأمان والاحترام هو الأقدر على المشاركة والعطاء والانتماء.


ومن خلال مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح، تحولت هذه الرؤية إلى أثر يتجاوز الحدود. فقد حظيت النسخة الأولى من دبلوم الدراسات العليا المشترك في التعايش، الذي أطلقه المركز مع جامعة السلام التابعة للأمم المتحدة ومؤسسة جُويا للتعليم العالي، بإشادة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، فيما جمعت نسخته الثانية مائة طالب وطالبة من ثلاث وستين دولة.
وجاء اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة الثامن والعشرين من يناير يومًا دوليًا للتعايش السلمي، استجابةً للمبادرة البحرينية التي تقدم بها المركز، ليؤكد أن ما بدأ قيمةً متجذرة في المجتمع البحريني أصبح إسهامًا عالميًا في خدمة السلام والكرامة الإنسانية.


ومن هنا تأتي جائزة الملك حمد للتعايش والتسامح، لا بوصفها مبادرة منفصلة عن هذه المسيرة، بل امتدادًا طبيعيًا لها. فالبحرين التي اختارت التعايش في تفاصيل حياتها، وصانته برؤية قيادتها، وحولته إلى برامج ومبادرات دولية، هي الأقدر على تقدير أولئك الذين يصنعونه في مجتمعاتهم.


ومن هذا المنطلق، يعلن مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح فتح باب الترشح للجائزة، لتكريم أفراد ومؤسسات لم يكتفوا بالدعوة إلى السلام، بل حولوه إلى نتائج ملموسة، فواجهوا الكراهية، وقرّبوا بين المختلفين، وحموا التنوع، وأعادوا الثقة إلى مجتمعاتهم.


إن الجائزة التي تحمل اسم حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه، ويرأسها جلالته فخريًا، لا تبحث عن الكلمات الأكثر جمالًا، بل عن الأثر الأكثر صدقًا، عن فرد اختار الحوار حين كان الانقسام أسهل، وعن مؤسسة جعلت من التنوع طاقةً للبناء، وعن مبادرة بدأت في نطاق صغير، ثم اتسع أثرها ليغير حياة الناس.


فالعالم لا تنقصه الدعوات إلى السلام، بقدر ما يحتاج إلى نماذج تثبت أنه ممكن. وتأتي الجائزة لتُظهر هذه النماذج، وتمنحها ما تستحقه من تقدير، وتتيح لتجاربها أن تلهم غيرها وتوسع دائرة أثرها.
فمن البحرين، التي منحت التنوع مكانًا في تاريخها وحاضرها، تنطلق الدعوة إلى صُنّاع التعايش في العالم: تقدموا بقصصكم، ودعوا أثرها يصل.
لأن السلام لا يصنعه الذين يتحدثون عنه أكثر، بل الذين يتركونه أثرًا في حياة الآخرين.

بقلم: منيرة نوفل الدوسري

٭ المدير التنفيذي لمركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح

كلمات مفتاحية
Show more